بحث عن المنهج السياسي – بحث دراسي شامل حول المنهج السياسي

روابط اعلانية :
1650 تحميل

بحث عن المنهج السياسي – بحث دراسي شامل حول المنهج السياسي

روابط اعلانية :

بحث عن المنهج السياسي

بحث عن المنهج السياسي – بحث دراسي شامل حول المنهج السياسي

بحث عن المنهج السياسي – بحث دراسي شامل حول المنهج السياسي

مقدمــــة:
موضوعنا اليوم هو قواعد العمل السياسي ويدخل جزئيا في هذا الموضوع قواعد التحليل السياسي. اسمحوا لي أن ابدأ الموضوع ببعض القواعد الأساسية النظرية التي بدونها لا يمكن أن نصل إلى النواحي العلمية.
الإنسان يتميز بامتلاكه لعملية الإدراك وعملية العقل كما انه يتميز بنسبة معينة من الذكاء التي تمكن عملية الإدراك وعملية العقل أن تمارس مهمتها في ذاته ، بشكل ايجابي وبشكل متطور دائما . وحتى نفهم هذه المقولة لا بد من أن نفهم ما معنى الإدراك وما معنى العقل وما معنى الذكاء وما هي علاقة ذلك بالعمل أصلا ثم بالعمل السياسي.
يمتلك الإنسان المخ ومخ الإنسان يتميز عن بقية الكائنات الحية بأنه يمتلك مستوى من الذكاء أعلى بكثير من أي مخلوق آخر وهذا الذكاء ليس فقط انه عال المستوى جدا ، وإنما يمتلك أيضا صفة الربط والاستنتاج وهذا الفرق الأساسي بين مخ الإنسان وبين مخ الحيوان – الربط والاستنتاج مثلا – إذا وجدنا أن وزير خارجية من بلد معين موجود الآن في تونس فورا نربط بين وجود هذا الوزير وبين طبيعة هذا الوزير وبالتالي نخرج بنتيجة تحليلية إذا لم يكن لدينا معلومات انه لا بد أن يكون هذا الرجل أو وزير خارجية هذه الدولة الموجود في تونس الآن أتى لهدف محدد من خلال فهمنا لطبيعة العلاقة هذا الربط الذي يصل بنا إلى الاستنتاج أو الربط بين وجود الشخص وبين مهام الشخص ثم الاستنتاج ، هي ميزة يمتاز بها مخ الإنسان عن بقية الكائنات الحية .
الإدراك هو أن تفهم الشيء بشكل صحيح أما العقل فهو باللغة من عقل يعقل وعقل يعني وضع الأمر في نصابه ، أي أن العملية العقلية أو العقل هو الوصول إلى الموقف الصحيح أو القرار الصحيح بعد عملية الإدراك الصحيح ثم تقوم عملية الذكاء الموجودة في داخل المخ بشكل لا إرادي بتفاعلات غير معروفة حتى الآن في العلم ليصل بالنهاية الإنسان إلى قرار ما يدفعه إلى عمل من جنس هذا القرار.

عملية الإدراك:

كيف يدرك الإنسان ؟ لو أخذنا الموضوع ببساطة أيضا من الواقع المادي وهي أفضل وسائل الإدراك، نلاحظ أن الإدراك مرحلتين . الأولى الإحساس بوجود الشيء ، فانا عندما أراكم هنا الآن أدرك أنكم موجودين وهذه العملية تتم من خلال انتقال هذا الواقع المحسوس أمامي بواسطة الإحساس إلى الدماغ أو إلى المخ وبالتالي أدرك أنكم موجودون ، ثم تأتي المرحلة الثانية في عملية الإدراك وهي معرفة من هو هذا الموجود ؟ لا شك أني أدرك أن الموجودين هم بشر وأدرك أيضا أنهم من كوادر حركة فتح وأدرك بأنهم هنا في دورة ثقافية. كيف أدركت كل هذه الأشياء ؟ إدراك الوجود بسيط . كيف أدركت أنكم من فتح وكيف أدركت أنكم في دورة ثقافية ؟ هذا الإدراك يتم من خلال معلومات مسبقة اعرفها بالتلقي أساسا ثم كونها مخزونة في عقلي ثانيا . فعندما آتي إلى هنا واراكم من خلال هذه المعلومات أدرك هذه النقاط الثلاث التي اشرنا إليها . ومن هنا نستطيع أن نقول بان الإدراك هو انتقال الواقع المحسوس إلى الدماغ بواسطة الإحساس وتفسيره بالمعلومات السابقة. فلو لم أكن اعرف مسبقا أنكم من كوادر فتح وأنكم هنا في دورة ثقافية لما عرفت هذا إلا بعد أن أسألكم.
أما وقد عرفت قبل أن آتي فهذه المعلومات السابقة هي التي جعلتني أو جعلت عملية الإدراك عندي تكتمل. بعد هذا تأتي العملية الثالثة وهي عملية العقل أي الوصول إلى الموقف، الوصول إلى الموقف بالنسبة إلى هذا المثل هو أنني مستدعي إلى أن أتحدث -وان أتحدث في موضوع معين- وبالتالي لأنكم من كوادر فتح ولأنكم في دورة ثقافية فيكون القرار هو أن أتحدث في موضوع بأسلوب معين لان هذا الترابط الكامل هو الذي يجعل في النهاية كلامي لكم أما أن يكون كلاما مفيدا أو كلاما غير مفيد أو أن يكون في مستوى جيد أو في مستوى ضعيف.
وتقومون انتم بعملية التعقل في هذا الموضوع من خلال ما لديكم من معلومات سابقة أيضا عن الموضوع الذي نتحدث به . لماذا دخلت في هذا التعريف النظري ؟ لم ادخله لأحدد ما هي قيمة المخ وما هي قيمة المادة وما هي قيمة الموجود، ولكن لأوضح لكم انه بدون معلومات سابقة لا يوجد إدراك لكل الأشياء، وعدم إدراك الأشياء لا يؤدي للوصول إلى التعقل. أي لا يمكن أن يؤدي إلى الوصول للقرار الصحيح .

أهمية المعلومات:

معنى هذا أن المعلومات بالنسبة للإنسان هي المحور الأساسي في استثمار قدرة الذكاء الموجودة لديه بان يصل إلى قرار صحيح، وهذا يلقي علينا جميعا وعلى كل فرد منا مسؤولية جماعية ومسؤولية شخصية: وهي الإطلاع المستمر، لأنه بدون تراكم المعلومات في ذاكرتنا لا يمكن أن نربط بين الأمور لنصل إلى القرار الصحيح و إلى الفهم الصحيح و إلى التصرف الصحيح. فالمعلومات السابقة هي المحور في كل شيء ونحن نناضل في حركة سياسية، نحن لا نناضل في حركة ثأرية، نحن نضالنا نضال سياسي، حركتنا حركة سياسية، أهدافنا أهداف سياسية، كلمة سياسية أقصدها باللغة العربية. وأنا إذا لاحظتم أني أصر باستمرار على إعطاء المعاني باللغة العربية، لماذا؟ لأنه مع الأسف الشديد كثير من الألفاظ نحن لا نفهمها باللغة العربية، ولذلك نتوه عندما نتعامل معها. وأنا أصر – من الذين يؤمنون بمنهجية الإصرار – على أن افهم الكلمة العربية بانتمائها العربي وليس بانتمائها الإفرنجي، وبعد ذلك أترجمها للإفرنجي.

تعريف السياسة:

السياسة في اللغة هي رعاية مصالح الناس. والكادر السياسي هو الكادر الذي يناضل من اجل مصالح الناس، فالقائد السياسي: هو الشخص الذي يقود عمل من اجل مصالح الناس. لأنه من السياسة وهي مصدر من ساس يسوس سياسة، ساس تعني رعى، ولان السياسة مع الناس. فالسياسة تصبح رعاية مصالح الناس. عندما يكون نضالنا من اجل رعاية مصالح الناس يجب أن نتصور حجم المعلومات التي يجب أن تتوفر لنا لتكون شمولية قدر الإمكان، ولتكون عميقة قدر الإمكان والشمولية عندما نصل إلى مستوى الأمة يجب أن لا يكتفي بها بالواقع القائم حولنا، وإنما يجب أيضا أن تشمل التاريخ.
وأحب أن أقول لكم بصراحة وبصدق أن القائد الذي لا يفهم تاريخ شعبه لا يستطيع أن يقود شعبه، لان القائد الذي لا يفهم شعبه لا يفهم نفسية شعبه وبالتالي لا يستطيع أن يقود شعبه لان الشعوب لا تقاد بالعقل فقط، الشعوب تقاد بالعقل وتقاد بالوجدان مع بعضهما في عملية متكاملة.

فهم التاريخ والقيادة

ولذلك فإن فهم التاريخ وتاريخ شعبنا بشكل أساسي من الممكن أن يعتبر من القواعد الأساسية في القدرة على قيادة الشعب. عندما لا تتحدث مع الجماهير بلغتها وعندما لا تتحدث معها بوجدانها وعندما تتناقض مع تقاليدها وما استقر في ضميرها من قيم هذه الجماهير لا يمكن أن تتفاعل معها، ومن هنا نلاحظ أن كثير من الأحزاب التي تعمل بعضها منذ الأربعينيات وبعضها منذ العشرينات – كالحزب الشيوعي مثلا – ولكنها- كل هذه الأحزاب ، كبعث ، كقوميين عرب، كشيوعيين ، يعني كل هذه الأحزاب التي مرت- كلها حتى الآن لم يستطع أي حزب منها أن يتحول إلى حزب جماهيري ، وإنما بقيت أحزاب محاصرة في ذاتها في داخل مكاتبها في داخل كوادرها، إذا ضربت لا تجد جماهير تقف لتحميها وإذا أمرت لا تجد جماهير تتجاوب تلقائيا مع أوامرها، وحتى أعطي مثل لتوضيح هذا أعطي مثل عبد الناصر وحركة فتح، عبد الناصر عندما كان يخطب ويطلب طلب من الأمة العربية قبل أن ينهي خطابه كانت الأمة تتجاوب مع ما طلبه عبد الناصر لماذا ؟ لان هذه الجماهير من خلال طريقة تخاطب عبد الناصر معها ومن خلال سلوكه النضالي اعتبرته قائدها وبالتالي تجاوبت معه نفسيا لتتجاوب معه بعد ذلك عقليا.
كذلك حركة فتح، حركة فتح عندما بدأت الرصاصة الأولى لم تمض اشهر قليلة جدا حتى بدأت الأحزاب العربية الأخرى تشعر بخطر جديد على وجودها تجسد بالانسحابات المتوالية من أعضائها للانضمام لحركة فتح. تحدثت فتح مع الجماهير وجدانيا وضميريا لأنها رفعت شعار تحرير فلسطين الذي هو مستقر في ضمير ووجدان الجماهير على مستوى الفرد وعلى مستوى المجموع، وبالتالي عبرت عن الحس الجماهيري والأمل الجماهيري على مستوى الفرد والمجموع. ومن هنا تفاعلت مع وجدان الجماهير فأسلمتها الجماهير لها قيادتها. والستينات والسبعينات تدل بشكل واضح على ذلك. ثم عندما وقع انشقاق البقاع أيضا، الجماهير تحركت بشكل هائل ضد هذا الانشقاق الذي نسميه انقلابا ولا اسميه انشقاقا بينما المنظمات الأخرى دخلت وخرجت من منظمة التحرير أكثر من مرة لم نر تحركا جماهيريا لا احتجاجا لا رفضا ولا قبولا ولا فرحة ولا غضبا.
لماذا ؟ هل لأن هذه المنظمات وأفرادها ليسوا وطنيين ؟ بالعكس هم وطنيون مثلنا تماما. وليس لأنهم لا ينتمون إلى شعبهم بل هم ينتمون إلى شعبهم مثلنا تماما، ولكن لأنهم لم يعبروا عن ضمير هذا الشعب في مواقفهم وفي ممارساتهم وفي أدبياتهم. إذن فهم التاريخ وفهم اللغة شيء أساسي في المعلومات إضافة إلى فهم التاريخ. فهم اللغة هو شيء أساسي في المعلومات إضافة إلى فهم الواقع ولذلك عندما أوضحت معنى الإدراك ومعنى العقل لأدلل على أهمية المعلومات وحجم أو أفق المعلومات المطلوبة، لتفهموا مدى المسؤولية الملقاة عليكم كأفراد … في القراءة والمطالعة والمناقشة.

النضال والعقل والواقع

النضال ليس مجرد بندقية وليس مجرد شعار، اخطر أنواع النضال في التاريخ النضال الذي ينحصر في البندقية الشعار لأنه نضال عبثي لا يؤدي إلى نتائج. لان صنع القرار لا يحتاج فقط إلى شعار والى بندقية وإنما يحتاج إلى أشياء كثيرة جدا لا تأتي إلا من خلال الثقافة والثقافة لا تأتي إلا من خلال المعلومات. ومن هنا المعلومات الشمولية التي قد تصل في قضية كقضيتنا إلى أن تتجاوز دراسة تاريخنا ودراسة حضارتنا طبعا، عندما أقول دراسة لا اطلب من كل واحد منا أن تصبح معه دكتوراة في التاريخ. ولكن أن يكون لديه قراءة وإطلاع واسع، قدرة على الحوار والمناقشة… لان القراءة وحدها لا تكفي، الذي ينضج العقل هو القراءة والمناقشة معا.
كذلك أردت من هذا التعريف أن أوضح أيضا انه بدون واقع لا يوجد إدراك ، يعني لو لم تكونوا موجودين هنا فانا لا أستطيع أن أدرك أنكم موجودون هنا . لو لم أراكم لا أدرك وجودكم وبالتالي بغض النظر عن الأشياء الفكرية أو الفلسفية التي حكيناها عن الذكاء والربط وما عدا ذلك فان القاعدتين الأساسيتين في عملية تحقيق الإدراك هما أولا: الثقافة والمعلومات وثانيا: الواقع نفسه. لأنه بدونه يصبح الإدراك غبي، يعني أنا لو قيل لي بمعلومات أن الإخوان مجتمعين، أتصور انه يوجد هناك أناس مجتمعون لكن هذه الصورة المادية الحقيقية لا أستطيع أن أتصورها إلا عندما أراها الآن.
بعد أن نغادر هذه القاعة لمّا يقال أن الليلة أو اليوم يوجد محاضرة أستطيع أن أتصورها بشكل كثير أوضح من تصوري بها أمس، لأنني أمس لم أراها ولكن كنت أتخيلها، أما الآن فإنني أراها وبالتالي فالواقع أصبح ملك إدراكي، ومن هنا أستطيع أن أتعامل معه بوضوح كامل. إذن هناك عمليتين أساسيتين في الإدراك هما المعلومات ثم الواقع.
كلمة واقع شانها شان كثير من الكلمات (مثل حرب وسلام، مفاوضات، واقع) هذه الكلمات يسمونها الكلمات المجردة أو الكلمات الحيادية، لا يصبح لها مضمون إلا إذا انتمت، انتمت يعني أصبحت تعبر عن فكرة، وإلا لا قيمة لها، وهذا يضطرنا أيضا لان نفهم أيضا ما معنى الواقع وهل العلاقة بين الواقع وبين الواقعية وهل الواقعية ضرورة في العمل السياسي أم لا ؟ اعتقد بان الواقعية هي أكثر من ضرورة في العمل السياسي وبدون الواقعية لا يوجد فعل سياسي أو عمل سياسي، بدون الواقعية يوجد تنظير سياسي يوجد تفلسف سياسي لكن لا يوجد فعل ولا يوجد عمل سياسي ولذلك دعوني أضيف إلى كلمة الواقعية كلمة أخرى فأقول الواقعية النضالية وهي التي اقصدها . لماذا أقول الواقعية النضالية ؟ لأنه كما قلنا الواقعية من الكلمات الحيادية التي يمكن أن يكون لها أكثر من معنى حسب انتمائها . فهنالك الواقعية الإصلاحية، وهنالك الواقعية الثورية، ما معنى هذا الكلام ؟ معناه عندما أتعامل مع الواقع إما أن أكون مستسلما لهذا الواقع واعتبر أني جزء منه اعمل لتطويره إلى الأفضل وهذا ما اسميه بالواقعية الإصلاحية، أو أن أكون رافضا لهذا الواقع ولا بد أن اعمل لتغيير هذا الواقع لا للاستسلام له وهذا ما نسميه بالواقعية النضالية، وهذه الواقعية هي التي نتبناها في حركة فتح وفي النضال، وعندما نقول أننا نرفض الواقع أو نستسلم له لا يمكن أن نرفض أو نستسلم دون أن نفهم الواقع، يعني مثلا: عندما نذهب إلى إنكلترا نجد عندهم الحزب الليبرالي وحزب المحافظين، وحزب العمال والحزب الشيوعي ، طبعا هناك انشقاقات وتحالفات فدعونا نأخذ الأشياء الأساسية، حزب العمال وحزب المحافظين والحزب الليبرالي يعملون من خلال الواقع بشكل إصلاحي لأنهم ينتمون كلهم إلى الرأسمالية ، لا اعتراض لهم على الأسس التي يقوم عليها الواقع البريطاني، ولكن لهم برنامج في الإصلاح والتطوير.
الحزب الشيوعي البريطاني يقول لا، أنا أرفض هذا الواقع. أريد أن أغير الواقع البريطاني من رأسمالي إلى شيوعي إلى اشتراكي علمي، فهذا الفرق بين مجموعة الأحزاب الأولى وبين الحزب الشيوعي ولكن لا يمكن أن يكون مثل ذلك إلا إذا كان هؤلاء فهموا، يعني إذا لم يؤمنوا بان بريطانيا هي واقع رأسمالي وهي دولة رأسمالية تؤمن بالفلسفة الرأسمالية ويفهمون ميكانيكية العمل الرأسمالي ونتائج العمل الرأسمالي، إذا لم يفهموا هذا الواقع بما قرروا أن يرفضوه إلى النقيض وهو الشيوعية، والآخرين لو لم يكونوا يفهمون هذا الواقع وهم الأحرار والمحافظين وغيرهم فهما شاملا ومؤمنين به، لما انطلقوا من الواقع لتطويره، وإلا أن كانوا غير مؤمنين به مثل الحزب الشيوعي لكانوا عملوا إلى تغييره للتغيير الجذري وليس للتغيير الإصلاحي.
إذن الواقعية النضالية وهي العمل على تغيير الواقع تحتاج إلى فهم الواقع، بدون فهم الواقع لا تستطيع أن تعرف ماذا تؤيد وماذا تعارض ولا حتى تستطيع أن تعرف ماذا تغير وما هو اتجاه التغيير لان الذي لا يعرف ما هو قائم لا يعرف موقفه مما هو قائم، وبالتالي لا يعرف المستقبل وكيف يريد أن يصبغ المستقبل الذي يريد.
من هنا تتراكم أو تتكاثر أمامنا فكرة أهمية المعلومات، أهمية الواقع الذي نعيشه والذي بدونه لا يمكن أن نناضل نضالا على الأرض -وأيضا نضالا على ارض الواقع- ونصبح كالبقية نناضل نضال الشعارات في غرفنا، ونضال الشعارات مثل الذي يتزوج باللاسلكي عمره ما يجيب أولاد، ونضال الشعارات مثل من يجلس يتفرج في ملعب كرة القدم عمره لا يحرز هدفا. من يحرز الأهداف هو من يلعب على ارض واقع الملعب الذي يكون جزء من الفريق.

الفهم السياسي والنضال السياسي:
من هنا نستطيع أن نقول أن الفهم السياسي هو الخطوة الأولى للعمل السياسي، للنضال السياسي، فبدون فهم سياسي لا يوجد عمل سياسي، من حيث المعلومات و من حيث الواقع، بدون فهم الواقع لا يوجد عمل سياسي منتج، وإنما يصبح عمل سياسي غيبي تنظيري، بالمناشير، بالفرق، بالشكل، بالاتهامات، بالتصنيفات، كل الحق على الطليان، بالهروب من المسؤولية.
يتم هذا كله بدون الواقع، أما الذي يريد أن يتعامل مع الواقع فلا يمكن أن يتعامل مع الواقع إذا لم يفهم هذا الواقع ، وكان فهمه له دافعا ومساعدا ليعمل بشكل عملي قابل للتحول إلى واقع على الأرض ، وإلا بقي في مجال التنظير . مع انه بالمناسبة النضال التنظيمي هو ألذ أنواع النضال لان من ينظّر يجلس ويصفقوا له وبعد ذلك يشرب فنجان شاي أو يرشف فنجان بيرة ويذهب لبيته فرحا ويقول اليوم مسحتهم ، أنا شايف اليوم ذبحتهم ، ويبقى مبسوط وضميره مرتاح لأنه اليوم انتصر ، لكن في الحقيقة هو لم ينتصر على احد لان هذا كله كلام بالفضاء ، كله نظري ، فهو ليس محاضرا في جامعة حتى يحفظها الطلاب ويقدموا امتحان !
أن الواقع يجب أن تقترن فيه الكلمة بالعمل وحتى يقع مثل هذا الاقتران لا يمكن للعمل إلا أن يكون من جنس الكلمة، فإذا كانت الكلمة فيها مضمون عملي هنالك عمل على الأرض، أما إذا كانت الكلمة كلها نظرية فلا يستطيع الإنسان تنفيذ الفلسفة. الفلسفة نفسها لم تكن أبدا برنامج عمل قابل للتنفيذ على الأرض ، الفلسفة تعطيك هدف تصل إليه.
إذن قلنا بأننا بحاجة إلى المعلومات شموليا وعمقا أو أفقيا وعموديا، بالكلمات التي اعتمدتم عليها وبحاجة أيضا إلى أن نؤمن بالواقعية النضالية، وهذا يتطلب أن نفهم الواقع أيضا ولا نكتفي بفهم الماضي أو بفهم التاريخ لماذا هذا ؟ لأننا عندما نريد أن نناضل فنضالنا هو مواجهة لخصمنا، نضالنا ليس هو نضالنا مع أنفسنا أي انه ليس النضال بان نقنع بعضنا بعضا بهدف أو نقنع بعضنا بعضا بنظرية، لا… نضالنا هو الصراع مع خصمنا للانتصار على الخصم، في نفس الوقت الذي خصمنا يصارعنا للانتصار علينا.
إذن العلاقة بيننا وبين الخصم هي أساس النضال والا: لا يوجد نضال. ومن هنا فهذه العلاقة بيننا وبين خصمنا هي الصراع بين الأهداف يترتب عليه الصراع بين الإرادات، والصراع بين الإرادات يترتب عليه صراع قوى. ومن هنا يجب أن لا ينحصر فهمنا فقط بفهم الماضي والتاريخ ولا بفهم الواقع القائم ولا بفهم الأحداث التي تسير حتى تستطيع أن تتعامل معها، وإنما لا بد أن نفهم مدى التعارض أو التناقض بالأهداف، وان نفهم أيضا موازين القوى القائمة حتى لا نقع في خطا أن نبدأ من النهاية كما وقع الآخرون.
كيف نبدأ من النهاية؟ نحن نريد تحرير فلسطين، هذا هدف. هنالك من يقول علينا أن نحرر فلسطين من النهر إلى البحر الآن، الذي يقول هذا الكلام إما انه يحلم، أو انه يتمنى، أو انه لا يفهم معنى عملية التحرير، عندما يقول الآن. لأنه لو درس موازين القوى ودرس خصوصيات الصراع ومتطلبات إدارة الصراع لعلم بكل بساطة أن الذين بدأوا العمل في 1/1/1965 مستحيل أن يحرروا فلسطين في عام.

أن من يبدأ من الآخر لا يمكنه عمل شيء لان موازين القوى تحكمه، فيضطر إلى التراجع لنقطة البداية الطبيعية، مثل الذي يريد أن يرفع الأثقال وقدرته أن يحمل10 كيلو فعندما يحمل 200 كيلو ماذا يصيبه ؟ بالطبع ينهار ويسقط هذا أن لم تسقط الأثقال عليه، وبالتالي يضطر أن يخفف حتى يحمل العشرة كيلو، وبعد ذلك يتمرن حتى يصل إلى 200 كيلو ، لأنه بدأ من نقطة البدء الصحيحة وهي 10 كيلو التي تتحملها قدرته . لماذا يقولون بالمثل الشعبي (اللي بيكبر حجره لا يضرب)؟! ولذلك البدء من النهاية هو إجهاض للنضال، وكثير من الوطنيين والمخلصين الذين لا يدركون خطورة البدء من النهاية الذين يريدون أن يحققوا الوحدة العربية الآن، أو ممنوع نعمل شيء حتى نحقق الوحدة العربية الآن، هذه الشعارات المطلقة هذه بالنهاية عبارة عن فلسفة غير قابلة للممارسة، ولذلك النضال والجهد يضيع سدى وبالعكس يؤدي إلى ردة فعل عند الجماهير، وتسقط الفكرة.
كيف تقبلت الجماهير العربية الوحدة العربية في البداية ؟ والآن من يتكلم عن الوحدة العربية يضحك منه الناس ؟ مع إنها لا تزال شعارا صحيحا وشعارا مطلوبا. كما تقبلت الجماهير الاشتراكية، بغض النظر عن فهمها للاشتراكية المطروحة والآن تهزأ الجماهير من الاشتراكية ؟ لان الذين حملوا لواء الاشتراكية لم يعرفوا كيف يناضلون من اجلها، لم يعرفوا كيف يطبقونها عندما ارتقوا إلى الحكم، فالناس بدل أن يصبح وضعها أحسن جاعت بدل أن تكون عندها حرية أكثر صار عندنا قمع أكثر، بدل أن يقل عدد السجناء زاد، وبالتالي أصبحت اللفظة مكروهة لان ممارستها كانت غلط.
ولذلك موضوع النضال أن نفهم القوى بوضعها الحقيقي حتى نستطيع أن نناضل من نقطة البدء الصحيح لنتطور ولو بشكل بطيء إلى الأمام، وإدراك( فتح) لهذه الحقيقة هو الذي جعلها ترفع شعار الحرب الطويلة المدى، لأننا نعرف أن نقطة بدءنا نقطة ضعيفة جدا، ولكن يجب أن نطور ونطور نقطة البدء إلى أن نصل بالنهاية إلى القدرة على الحركة والتأثير ثم تنفذ ما جاء في مبادىء( فتح) في المنهج الثوري لتحريك الواقع العربي باتجاه التحرير، لأنه أدركنا ما معنى القوى التي معنا وما معنى القوى التي ضدنا، ومن هنا كان الإدراك الكلي لموضوع متطلبات التحرير والتي هي الموقف العربي الواحد، النضالي والتحالفات الدولية التي تقف لجانبنا وبدون ذلك لا يمكن أن يقع تحرير، لأنه بالمقابل خصمنا لديه الدولة الأولى في العالم ومن معها من قوى الاستعمار .
لذلك الواقعية النضالية تتطلب فهم الواقع ومن خلال فهم الواقع أن نفهم أهداف خصمنا ونعرف بأن في النهاية الصراع هو صراع بين الأهداف وصراع بين الإرادات، وقاعدة هذه الصراعات هي موازين القوى. شعار جميل!القائد الذي لا يفهم هذه الأشياء يعيش في الأحلام ويعيش في الشعار لإرضاء الذات فقط ليس لممارسة أي شيء على الأرض.
كذلك الذي قال بعد أن خرجنا من بيروتالآن من البقاع نستطيع أن ندخل تل أبيب سياسيا كما دخل الجيش الإسرائيلي بيروت عسكريا لأننا نمثل قوة تحالفية تبدأ من… وتنتهي بموسكو). شعار جميل! احتلت بيروت إسرائيل وانتصرت عسكريا ننتصر نحن سياسيا يعني أن المهزوم هو المنتصر، وكيف يمكن أن تدخل تل أبيب سياسيا وهم موجودون في بيروت عسكريا ؟ لكن هذا الشعار لإرضاء الذات، لا يريدون أن يقولوا أننا خرجنا من بيروت، بل يقولون إننا انتصرنا سياسيا. نحن صحيح انتصرنا في بيروت بأشياء كثيرة لكن لم نحتل تل أبيب سياسيا نتيجة خروجنا من بيروت بالهزيمة لتحويل الناس من موقف إلى موقف بالغلط أو الفهلوة.

المؤامرة والصراع:
كثير من المراحل التي نعيشها – وان كان ما سأذكره نقطة جانبية تدخل في الحديث – هناك كلمة مرتبطة بكلمة صراع هي كلمة مؤامرة مع الأسف بأدبياتنا كثيرا ما نستعمل كلمة مؤامرة، أنا شخصيا ضد شيء اسمه مؤامرة، وأنا لا قناعة لي إطلاقا بان الرئيس فلان يتآمر على زوجها، أو الأخ على أخيه أو الموظف على رئيسه، نحن نتآمر على قوم، موظف يتآمر على رئيسه. لكن الحقيقة بيننا وبين الصهيونية صراع وليس تآمر، والقصة ليست موضوع حيل ترتب من الواحد للآخر ليوقعه في مصيدة فينتصر عليه، لان الصراع هو صراع وجود وبالتالي لا يجوز أن نقول مؤامرة لان المؤامرة تجعلنا ننهزم قبل أن نبدأ المعركة بمؤامرة عبارة عن شبح يتآمر عليك ولا تعرف لماذا يتآمر عليك أو من هو أو متى سيظهر على السطح ولا ماذا سيعمل لك، وبالتالي تبقى خائفا أنت والناس.
تبدأ المعركة تحدث نفسك… أن الخوف معشعش قبل أن تبدأ المعركة، أما الصراع كلمة صراع فهي التي تخلق فينا التحدي وبعد ذلك نفهم انه صراع على الأهداف وبالتالي على مصالح شعبه أو جماعته من وجهة نظره، ومن هنا حقيقة المعركة بيننا وبين السياسة الأمريكية: هي حقيقة جوهرها مصلحة الأمة العربية ومصلحة الأمة الأمريكية وهكذا. الذي يحدد مصالح الأمة العربية يحدد أهدافها، مصالح الشعب الفلسطيني يحدد أهدافه، ومصالح الشعب الأمريكي يحدد أهدافه. أهداف متناقضة تتصارع، إذن العملية هي الصراع بين أهداف، وهذه الأهداف هي في حقيقتها المصالح الجوهرية لأطراف الصراع.

مناهج التفكير:
أولا:المنهج التاريخي (الماضوي):
عندما نفهم الواقع بهذا الشكل والواقعية بهذا الشكل هذا يتطلب منا منهج معين في التفكير، وربما سمعتموني أتحدث عن هذا الموضوع مسبقا أو قرأتم، لكن لا بد أن أشير له مرة ثانية، في ساحتنا الآن أو في الساحة عموما هنالك أربعة مناهج للتفكير: ليست مناهج فكرية، مناهج تفكيرية… الفرق أن المنهج الفكري مرتبط بالعقيدة يعني الذي يفكر الماركسي غير الذي يفكر إسلامي غير الذي يفكر رأسمالي، يجوز أن يكون عند الإسلامي أو الرأسمالي أو الماركسي منهجية معينة في التفكير وليس في الفكر وهو ما نلاحظ من الواقع.
عندنا منهجية التي اسميها المنهجية التاريخية أو العقلية الماضوية من ماضي المؤرخ يظل دائما يحكي في أحداث الماضي يبحث عن الصواب والخطأ في أحداث الماضي، ويبحث عن الحقيقة والخطأ في أحداث الماضي، يقيّم البشر صانعي الأحداث والحقبات التاريخية في الماضي. وبالتالي المؤرخ يعيش دائما في الماضي لا يمكن أن يعيش في المستقبل ولا يمكن أن يعيش الحاضر. طبعا كلامي نسبي ليس بالمطلق وليس معناه أن المؤرخ لا يفكر في المستقبل أنا احكي عن المنهج لا على الإنسان، هؤلاء الناس لا يمكن أن يكونوا مناضلين سياسيين ناجحين ولا يمكن لهذا المنهج أن يبرز قيادة سياسية مناضلة ناجحة لماذا؟ لان الذي يحصر تفكيره وتقويمه في الماضي يكون متخلف باستمرار عن الواقع القائم، وعن المرحلة القائمة. والمناضل السياسي يجب أن يتعامل مع المشكلة التي يواجهها حتى يحلها ولا يجب أن يتعامل مع مشكل خسارة وخلصت، ولذلك هؤلاء دائما متخلفين عن المرحلة لحد الآن وهم يناقشون زيارة أبو عمار للقاهرة صح أم خطأ ؟ فالزيارة انتهت وترتب عليها نتائج، قبل أن تقع الزيارة يمكن أن يناقش أن يذهب أو لا يذهب أما وقد وقعت الزيارة أن كانت صحيحة أم خاطئة وقع حدث لا يجب أن أبقى عشرة سنين وأقول صح والا غلط فالحدث وقع والنتائج بدأت تظهر، وبالتالي إذا بقيت أعيش في الماضي لا اقدر أن أتعامل مع النتائج التي عملها الماضي. ولو كان خاطىء أو كان جيد المفروض أن أتعامل مع ما هو قائم أمامي مع ما أواجهه وليس مع ما تم حدوثه.
ولذلك أصحاب المنهج التاريخي أو الماضوي يعيشون دائما في الماضي ومن هنا لا يمكن أن يتعاملوا مع الحاضر. والذي لا يتعامل مع الحاضر لا يستطيع أن يصنع المستقبل، كيف ؟ لان التطور: هو أنني أواجه مشكلة نتيجة الواقع الذي أعيشه فاحل المشكلة حلا صحيحا فأكون قد انتقلت من الواقع الذي أعيشه إلى واقع المشكلة ثم إلى واقع حل المشكلة. إذا عندما حللت المشكلة فأنا خطوت خطوة إلى الأمام أي أنني تطورت إلى الأمام أما إذا لم أحل المشكلة وبدأت العن أبو المشكلة ومفتعلها لم أحلها وتظل المشكلة موجودة دون أن أحلها وجهدي ضائع بمن افتعلها فلا أصنع المستقبل.
ثانيا:المنهج الفلسفي:
المنهج الثاني من التفكير هو المنهج الفلسفي أو المنهج المستقبلي بالمطلق، ما هو هذا المنهج ؟ هو أن نحلل القضية فنرجع بنتيجة إننا يجب أن نحرر فلسطين فتقول هل السباحة تحرر فلسطين ؟ لا.. لا.غلط لكن السباحة ضرورية حتى يقوى جسم المناضل يقاتل لكنها لا تحرر فلسطين ؟ لا.. إذن هنا خيانة ! الم يسيروا مظاهرات في بيروت تتهم الذهاب إلى الأمم المتحدة بالخيانة لماذا ؟ لان الذهاب لا يحرر فلسطين، دائما يسقط الهدف على الفعل الآني المرحلي المفروض، وهذا هو المنهج الفلسفي الذي يرتبط باستمرار بالهدف النهائي.
بالشيوعية، المجتمع اللادولي، هو الهدف النهائي. يريدون القول أن كل شيء يحدث لا يحقق المجتمع اللادولي هو مرفوض وبذلك لما كان اشتراكية ولا اتحاد سوفياتي لان هذا المجتمع اللادولي مثل الجنة والنار هو الهدف الأعلى الذي من خلال الرغبة للوصول إليه نمارس سلوك معين، فهو البوصلة التي توجهنا في اتجاه معين والديناميكية التي تجعلنا دائما نسعى لنصل إلى هذا الهدف المعين والذي لن نصل إليه في حياتنا: يعني الجنة والنار أنا لن أصلها في حياتي ولكن الجنة والنار هي البوصلة التي توجهني بما أقوم به للدخول للجنة فإذا أنا رغبت الدخول إلى الجنة فسأعمل في إطار الذهاب إلى الجنة، فتولد عندي ديناميكية للإصرار للوصول إلى الجنة بممارسة هذا العمل للوصول إلى الجنة هذه قيمة الفلسفة.
أما الفلسفة في ذاتها فهي ليست عمل وليست برنامج عمل لأنها فلسفة، ولذلك تلاحظون يا إخوان أن هناك دائما مشكلة مستعصية عند الأحزاب وخاصة في العالم الثالث هي العلاقة بين النظرية والتطبيق دائما هناك مشكلة، حتى لدى لينين كانت العلاقة بين النظرية والتطبيق المشكلة التي تواجهها كافة الأحزاب الملتزمة- وليس الأحزاب الليبرالية- هي كيف تسخر النظرية من اجل التطبيق؟ وكيف أن لا يكون التطبيق متناقض مع النظرية؟ وان لا تكون النظرية عائق حركة العمل؟ فعندما يصبح الإنسان ملتصقا بالنظرية التصاقا منهجيا في التفكير يصبح عاجزا عن التطبيق لان الفلسفة تحدد لك هدف بينما التطبيق هو الطريق في اتجاه الهدف.
إذن النظرية تكون هي البوصلة، تعلمك بخطة مسارك أو انحرافه، هؤلاء لا يقدرون أن يخوضوا السياسة، لأنك أنت تريد أن تحل مشكلة اليوم ولا تريد أن تحل مشكلة الغد لان مشكلة الغد لم تقع بعد. أن الذين يتبعون المنهج الفلسفي يعيشون بمشاكل لم تقع.
أنا اذكر مرة في نقاش طويل بيني وبين الأخ جورج حبش في الكويت وكان عندي في البيت عام 1966 لما كانوا رافضين التآت الثلاثة، التنسيق والتوقيت والتوريط، المهم اتفقت أنا وهو أن هذا كله صحيح قال لي هناك في شيء لا تقدر أن تقنعني به قلت ما هو قال: الاجتماعي، انتم حركة ليس لديها مضمون اجتماعي، قلت: صحيح، قال: هذا غلط، قلت له: لا… هذا هو الصحيح . فبجملة النقاش الذي دار قلت له: يا حكيم انتم بمضمونكم الاجتماعي محددين أن الحد الأدنى للملكية بفلسطين بعشرين فدان، هل درست الأرض الفلسطينية ؟ وعرفت حجم الإنتاج للأرض الفلسطينية ؟ ما وجه المقارنة بين أراضي الغور وأراضي الحوارب وأراضي الجليل وأراضي النقب؟ لان تحديد الملكية بحد أقصى يعني الحد الأقصى هو الحد الذي يقدر المزارع يعيش بدخله، وثم يا حكيم أنت ألا ترى احتمال انه عندما نرجع إلى فلسطين أن شاء الله محررة بتكون عندنا مشكلة تجميع الملكية مش تفتيتها ؟ قال: الله، كيف ؟ قلت له: الآن توفي أبوي وترك لنا بيت، إحنا ست أخوة أليس لنا ارث ؟ قال لي: صحيح. قلت له: أو كل جيل أو جيلين حتى تحرر فلسطين. فقال: نعم. قلت : الخمسة وثلاثين يصبحوا مئتين قال: نعم. قلت: هذا البيت كيف سنقسمه ؟ وبالتالي نحن ممكن نواجه مشكلة تجميع الثروة مش تفتيتها. ثم يا حكيم نفرض أنا عندي ارض سافرت وحدث ما حدث غدا حررنا فلسطين رجعت وجدت الأرض عليها مصنع، أو كان مصنع فوجدناها حديقة عامة، فأين المصنع ؟ أو أقيم عليها مدرسة، يا حكيم لماذا نضع مشاكل لا نعرفها ؟ وتضع لي حلولا من الآن ويصبح شجارا فلسفيا، والشجار الفلسفي أصعب أنواع الشجار لأنه ينتهي بنتائج بعدد الناس المتناقشين.
نأخذ موضوع فلسفي ونتناقش عليه إذا كان عدد المناقشين مئة ينتج مئة رأي لأنها فلسفة وليست موضوع منظور وليس له واقع مادي. لذلك من الخطأ أن نخلق مشاكل للمستقبل ونحلها قبل أن تقع المشكلة، وقبل أن نعرف طبيعتها . ولم استطع إقناعه. وأخيرا قلت له: حسنا قل لي ماذا تريد ؟ قال:أريد الاشتراكية العلمية. قلت: وماذا يعني هذا ؟ قال: تسخير العلم في خدمة الاقتصاد. قلت: أي أمريكا. قال: ماذا ؟ قلت:أعلى مستوى بالعالم لتسخير العلم في خدمة الاقتصاد في أمريكا، ولكن أظن انك تقصد بالاقتصاد الذي يقول مثلا أن الملكية هي حق الانتفاع بالعين بالإذن من الشارع. قال : نعم هو ذلك . وأين هذا ؟ قلت له: بالمكتبة الظاهرية. والله لم يكن يعرف في ذلك أن هناك مكتبة الظاهرية وان كل كتبها في الفقه، لان هذا تعبير فقهي إسلامي للملكية، طبعا القائد الذي لا يعرف الأشياء هذه كيف يكون ؟ وأنا شخصيا من الذين يحترمون جورج حبش احتراما كاملا لنظافته فقط.
في الاحترام والنظافة والفعل القيادي شيء آخر، من يأتي لي بمشاكل لا يوجد دلائل أنها ستقع مازالت في علم الغيب ويضعها كدستور حتى ينظر على أساسه، هذا المنهج الفلسفي بالنهاية يسبق المراحل، ويسبقها بالقرار وبالتالي لا يستطيع أن يحدث عملية التطور إلى الأمام لأنه هو سابق للمرحلة سنين طويلة، ويسبقها بشكل نظري ويمارس نظريا وبالتالي لا يحدث عملية التطور.
هؤلاء الذين ينتمون إلى المدرسة التاريخية وينتمون إلى المدرسة الفلسفية يتولد لديهم عادة المنهجية الثالثة في التفكير وهي المنهجية القضائية.
ثالثا:المذهبية القضائية:
ماذا تعني المنهجية القضائية ؟ تعني وجود حامل للختم! يوقع بها أحيانا، وتسميات على الناس: يميني يساري تسووي زئبقي ديكتاتوري رجعي.. الخ يختم الحركات ويختم البشر لماذا ؟ لأنه يصدر حكم.. صار يبحث عن الخطأ والصواب بالماضي وبالمستقبل وبالتالي أصبح يملك عقلية القاضي ليقول: صح، غلط، والذي يعمل بهذا الشكل يكون قد خرج من إطار النضال دون أن يدري لماذا، لأنه صار قاضي. والقاضي ليس بخصم التاريخ، وإنما يفصل بين المتخاصمين بالمحكمة، أما الخصوم وأحدهما يربح والآخر يخسر ويخرجون متصالحين، أما القاضي فلا يناله شيء من هذا الموضوع لأنه يعطي أحكاما، ولذلك أصحاب المنهج القضائي يظلون دائما بالخارج، على هامش التاريخ، ولو كان ضجيجهم وبعصرنا الحالي وبوسائل الإعلان ضجيجهم أقوى من ضجيج الفعل.
ولكن يظل على جانب التاريخ، مادام على القائد السياسي أن يفعل . القائد السياسي يجب أن لا يهمل التاريخ إطلاقا وسبق أن تكلمنا عن ذلك لماذا ؟ لان فهم التاريخ من أهم الأمور بالنسبة للقائد السياسي. كان الخطأ الأساسي للسادات انه لم يفهم التاريخ، بمعنى انه عندما يدرس الإنسان التاريخ وفي حالة مثل حالتنا يجب أن يدرس تاريخه وتاريخ خصمه ليفهم الاثنين النفسية للأطراف كلها، وليس له فقط، الذي يفهم التاريخ ويدرس أحداث التاريخ يصبح لديه حسن تصور للتاريخ في المستقبل القريب. أي الأستاذ الواعي الذي يفهم تاريخ كل تلميذ عنده بالمدرسة يقدر أن يقول أن الطالب الفلاني والطالب العلاّني سيتنازعان على الأول، وهؤلاء يتنازعون على الثاني، وهذا ليس منه أمل، يظل أخيرا هذا التنبؤ الذي تنبأه الأستاذ مثلا لم يأت من الفراغ، ولم يأت أستاذ من إنكلترا إلى الفصل ونظر فيه وقال هذا الأول وهذا الثاني وهذا الثالث، ليس بهذا الشكل. وإنما هو تعايش مع هؤلاء الطلاب فأصبح تاريخ هؤلاء الطلاب محفورا عنده، تكون لديه حس في مستقبل حركة الطلاب، وبالتالي يعرف انه في الاجازات هذا يسبح، وهذا يلعب كرة قدم وذاك يفعل كذا، أي انه حدد اتجاه كل طالب. وإذا أراد أن يعمل برنامجا إصلاحيا للطلبة يجب أن يعرف كل واحد أين اتجاهه حتى يستطيع أن يعمل له برنامجا إصلاحيا بما يتفق مع نفسيته ويصلح هذه النفسية، كذلك الذي يدرس التاريخ.
وهذه مهمة جدا للقائد السياسي، يصبح باستطاعته الإحساس بمسار عملية التاريخ، القائد السياسي عندما يأخذ القرار يأخذه لان مهمة القائد في النهاية هي القرار، لان أي قائد بدون قرار لا قائد، فالقيادة قرار: حيث لا يوجد قرار لا يوجد قيادة ،حيث أن شرعية القيادة تلغى إذا لم يوجد قرار. عمليا القائد دائما عنده ثلاث دوائر يعيش بها من مركز واحد، لو أخذنا مركز دائرة ورسمنا فيه ثلاث دوائر كل واحدة تحيط بالأخرى لكن من نفس المركز لأنه نفس الشخص، الدائرة الأولى الصغيرة هي دائرته الشخصية لأنه لا يوجد قائد يحب أن يفشل ولا يوجد قائد يحب أن يشتموه، ولا يوجد قائد يحب أن يوصف بأوصاف سيئة، ولذلك أي قائد يحب أن ينجح.
إذن الدائرة الأولى هي دائرته الشخصية بالنجاح من خلال أن تكون قيادته تحقق المصلحة له كقائد، وهي العنصر الذاتي. الدائرة الأولى هي الدائرة الذاتية للقائد ثم تأتي الدائرة التالية أوسع واكبر وهي دائرة شعبه والدائرة الثالثة وهي أن يحقق مصالح شعبه بما لا يتناقض مع حركة التاريخ.
نأخذ السادات كمثل واضح على هذا وأين خطأ السادات ؟ السادات لم يخطىء في الدائرة الأولى ولم يخطىء في الثانية، ولكن السادات اخطأ في الدائرة الثالثة، وبالتالي ألغى فوائد الأولى والثانية. الدائرة الثالثة الأوسع التي تحتوي الاثنين، فان فشل فيها يفشل ما في داخلها، فشل عندما وقع معاهدة السلام الدائم مع إسرائيل…. هذا معناه انه لم يفهم طبيعة التناقض بين الصهيونية والعروبة.
وبالتالي الذي يؤمن بأن هنالك احتمال أن يقوم سلام ، يعني سلام وتعايش وليس هدنة مع الصهيونية. لا يفهم الصهيونية إطلاقا ولا يفهم العروبة أيضا إطلاقا؟ لان التناقض بين العروبة وبين الصهيونية – أنا لم اقل بين العربي واليهودي – بين العروبة والصهيونية هو تناقض لا يحل على الأرض إلا بزوال أحدهما.أما زوال العروبة وإما زوال الصهيونية.
هذا تناقض غير قابل للحل إلا بزوال احد طرفي الصراع، ولذلك مجرد أن اعمل اتفاقية سلام مع الصهيونية أنا تناقضت مع مسار الدائرة الثانية وبالتالي المشاكل التي ستظهر نتيجة لهذا السلام ستكون اكبر من المشكلة التي تم حلها وسأعيش في وضع أسوأ مما كان قبل أن أنجز هذه الاتفاقيات.
النقطة الثانية التي اخطأ فيها السادات هي في البعد التاريخي، وهذه كانت محور نقاش حاد بيني وبينه في عام 75أو76 لا اذكر وبعدها لم ادخل القاهرة حتى الآن، لأني أصبت بالرعب من تلك المناقشة حيث دار النقاش التالي: كنا جالسين فقال لماذا لا تكون مصر هي الطفل المحبوب لأمريكا؟ ولماذا إسرائيل ومصر أعظم منها ؟ قلت له: مستحيل، قال: لماذا مستحيل ؟ قلت له لان أمريكا لا يمكن أن تثق في الشعب المصري ولكن أمريكا لا يمكن إلا وان تثق باليهود الموجودين في فلسطين لماذا ؟ لان الإسرائيلي كيان مصطنع يعيش بالمساعدات الأمريكية مقابل خدمات يقوم بها لأمريكا، حمايته وجيشه وسلامه كله أمريكي.
وبالتالي كل فرد في إسرائيل – القاعدة الأمريكية العسكرية رقم 1- يشعر أن أمريكا هي التي تحميه ومن هنا الولاء كله لأمريكا بينما مصر لأنها شعب عظيم ولان شعبها حضاري ولأنه، ولأنه … يرفض بان تكون حمايته أمريكية، وان يكون تابع لأمريكا وبالتالي إذا قدمت مصر الخدمات التي تقدمها إسرائيل لأمريكا فان الشعب بالنهاية سيثور عليها، ولذلك هي لن تعطيك هذه المنحة لأنها لن تطمئن إليك بينما هي تطمئن إلى إسرائيل.
والحديث الاستراتيجي في الشرق الأوسط لا أنت ولا السعودية لأنهم كانوا يبحثون بين المغرب والجزائر ولا دولة عربية هي حليف استراتيجي مع أمريكا في المنطقة، الحليف الاستراتيجي مع أمريكا هو فقط إسرائيل. ولم نتفق وأصبت بالخوف ولم اذهب إلى هناك.
لكن الذي أريد أن أقوله هو انه لم يدرك طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وطبيعة العلاقة بين الفلسفة الحضارية الأمريكية والفلسفة الصهيونية . أمريكا الآن تعيش مرحلة حضارية جديدة اسمها حضارة الربح The civilization of Business الصهيونية في طبيعتها قبل أن توجد أمريكا تعيش حضارة الربح، ومن هنا هنالك تناغم بين الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية وبين ذبح الأمريكان للهنود وذبح اليهود للفلسطينيين، وهنالك تناغم كامل بين البروتستانتية وهي مذهب الغالبية التي اعتبرت أمريكا أرض الميعاد فذبحت كل البشر حتى تقيم ارض الميعاد الجديدة، وباليهود بالتوراة التي تقول هذه ارض الميعاد والتي تذهب لناس ليقيموا أرض الظاهرة الجديدة، إضافة إلى العقلية التجارية البنكية اليهودية والعقلية التجارية البنكية الأمريكية إذن هنالك تناغم كامل في كل شيء إضافة إلى الواقع المادي لفلسطين. وقيام إسرائيل وعلاقتها الخ.
وبالتالي الذي يخطىء في فهم طبيعة العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية يتصور انه يستطيع أن يخلف بين أمريكا وإسرائيل، ويحل محل إسرائيل بالمحبة والمودة، فكانت النتيجة أن مصر أصبحت الآن في شبكة مصيدة الديون الأمريكية وأصبح نتائج اتفاقيات كامب ديفيد ليست نتائج إسرائيلية وإنما نتائج أمريكية. فأصبح المطلوب تحرير مصر من أمريكا وليس من إسرائيل، لان المشروع الإسرائيلي المصري فشل والذي نجح هو المشروع الأمريكي فأصبحت مصر تابعة بالاقتصاديات إلى أمريكا وبدأت تتبعها سياسيا.
وكلما زادت الديون والمشاكل الاقتصادية كلما زادت تبعية مصر للسياسة الأمريكية. إذن الخطأ الذي أخطأه السادات تمثل بفهمه للبعد التاريخي الذي جعله يعقد هذا النوع من الاتفاقيات ملغيا المصلحة الشعبية التي هي باستعادة سيناء. وألغى مصلحته الذاتية التي هي بأنه استطاع أن يعيد سيناء حيث فشل عبد الناصر كما كان يقول. إذا البعد التاريخي مهم جدا في القرار السياسي الذي هو عنوان النضال السياسي لذلك فهم التاريخ ضرورة جدا، استيعاب دروس التاريخ ضرورة جدا، ولكن فهم التاريخ وفهم دروس التاريخ وليس إتباع منهجية المؤرخ وإنما الاستفادة من نتائج أعمال المؤرخ والفلسفة أيضا ضرورية ولكنها لا يمكن أن تكون منهج تفكير القائد.
الفلسفة ضرورية لأنها تحدد الهدف النهائي وتمثل الرادار والبوصلة التي تعطيك الحس باستمرار، هل أنت تسير باتجاه الهدف أو لا تسير باتجاه الهدف، وهي التي تخلق في ذاتك ديناميكية الفعل النضالي من اجل الوصول إلى الهدف فتعزز الإرادات، تعزز العطاء تجعل من المستقبل الذي تحدده الفلسفة شيئا ممكن أن تضحي أنت من اجله، إذن الفلسفة ضرورية في هذا الاتجاه أما المنهج الفلسفي فهو لا علاقة له بالنضال السياسي.
إذن المناضل أو القائد السياسي هو بحاجة إلى فهم دروس التاريخ واستيعابها، ليتكون لديه الحس في حركة التاريخ القادمة أو المستقبلية حتى لا تكون قراراته تتناقض معها، وكذلك هو بحاجة إلى الفلسفة ليحدد الهدف بشكل واضح ولتكون هذه الفلسفة بوصلة له في التعرف، ولكن الاثنين في خدمة القائد الذي يجب أن ينطلق من الواقع القائم اليوم، وبالتالي تكون مهمة القائد هي صنع الحدث، والتعامل مع الحدث الذي يصنعه العدو، هذا هو القائد وحتى يكون فعله صحيحا نسبيا وحتى يكون تعامله مع الحدث الذي يصنعه العدو صحيحا نسيبا، لابد أن يكون قراره صحيحا وحتى يكون قراره صحيحا هو بحاجة إلى اكبر قدر ممكن من المعلومات الصحيحة وهو أيضا بحاجة إلى استيعاب دروس التاريخ بما يتصل مع طبيعة نضاله، وبحاجة إلى فلسفة. أما عمله اليومي فيجب أن ينطلق من الواقع للتعامل مع مشاكل الواقع حتى يحدث غد أفضل من اليوم وهكذا دواليك، إلى أن يصل إلى الهدف. هنالك بعض القواعد الأساسية في عقلية الفعل السياسي وهي الآن عندنا أمراض وأحب أن أشير إلى بعض منها قبيل أن انهي الكلمة.
رابعا: المذهب القيادي السياسي (الواقع النضالي):
المنهج القيادي السياسي هو الذي يصنع الحدث ويتعامل مع الحدث الذي يصنعه العدو من خلال إدراك واعي لمعلومات واعية ومن واقع واعي، فهم دروس التاريخ وفهم الفلسفة التي تحدد الهدف الذي نناضل من اجله.
دائما يقال أن الجماهير نائمة أو ليست نائمة، لا يوجد جماهير تنام، الجماهير لا تنام، الجماهير مع من لا ينفصل عن العملية النضالية، ولكن عندما لا تجد من يقودها لا يظهر فعلها إلى أن يصل الموضوع إلى حالة الانفجار الفوضوي، كما حصل في الثورة الفرنسية في باريس.
فلماذا لا تعمل الجماهير ؟ لأنها تحتاج إلى تنظيم، والى قيادة جماهير، بدون تنظيم وقيادة مثل قطيع البقر فيه اللحم وفيه العظم وفيه الجلد وفيه الشعر فيه الزبدة وفيه الجبنة فيه كل الخير، لكن إذا لم يوجد راعي يرعى ويطلع الخير بشكل منظم لا احد يرى شيء منه، لكن كذلك أحيانا نحن مسؤولون عن ابتعاد الجماهير عنا، الجماهير لا تستطيع أن تعيش بدون قائد وعندما لا يوجد لها قائد تحمّل مسؤولية القيادة إلى الله، لأنها تريد قائد دائم سواء كان حزب أو شخص… يلزمها قائد، زعيم، لأنها غريزة الجماعة.

الأشخاص والمواقف:
نحن يجب أن نهاجم الموقف ونوضح لماذا نهاجم الموقف أو نعادي هذا الموقف، فإذا ما أتى ظرف اضطررنا نحن لتغيير موقفنا أو اضطر من نحن على خلاف معه لتغيير موقفه لمصلحتنا، أو نحن اضطررنا لتغيير موقفنا لمصلحتنا، طبعا لاكتشاف عناصر معينة جديدة أو معلومات جديدة أو موقف جديد أدى بنا إلى تغيير موقفنا، فعندما نقول مثلا أن (س) هنا اخطأ أو (ص) بهذا الموقف خاطىء ونشرح لماذا هذا الخطأ، ثم يأتي (ص) ليغير موقفه ويصبح له موقف جديد نرى فيه انه موقف صحيح، عندها نمد أيدينا إلى (ص) الجماهير لا تحتار ولا ترتبك، ولا أيضا التنظيم يحتار ولا يرتبك لأننا هاجمنا الموقف، تغير الموقف أصبح هنالك موقف جديد، الموقف الجديد نحن معه وليس ضده.
إذن نحن نتعامل مع الموقف الجديد وتعاملنا مع الموقف الجديد يعني مع صاحبه -خلافنا مع الموقف القديم وليس خلافنا مع صاحبه- أما عندما أقول عنه خائن، لو غير موقفه لا يصح أن أثق به ولذلك ترتبك الجماهير وتنعزل عنا لأنها تريد أن تتأكد وترى، حيث أنكم الآن أكلتم المناسف وتعانقتم وتباوستم بعد هذا ستبقون أصحابا والا لا ؟ فلماذا تدخل الجماهير هذه المعمعة ؟ فتبقى الجماهير جانبا، لأنها لا تثق بما هو قائم، ليس لان الجماهير خاطئة، أو فقدت نضاليتها… الجماهير لا تفقد نضاليتها إطلاقا، الذي يفقد نضاليته هو الكادر والقائد وليس الجماهير.
ولذلك نحن يجب أن نركز على المواقف وليس على الأشخاص، لأنه يجب أن نفهم أن السياسة والنضال السياسي في إطارنا ليست خصومة دائمة إلى الأبد، وليست اتفاق دائم إلى الأبد، هناك مجال للخلاف والاتفاق إلى أخره.. وبالتالي التعامل مع الموقف يلغي الارتباك ويجعلك واضح، إضافة إلى أننا عندما نشتم نخلق موقف معادي، حتى لو تغيرت المواقف وأدى تغير المواقف إلى جلوسنا من جديد للتعاون والثقة تكون ولّت عندما تشتم، الشجاع لايشتم أبدا، لا يشتم إلا الجبان، لأنكم تذكرون قول المثل القائل: أشبعتهم شتما وفازوا بالإبل، كالراعي عندما خطف منه قطاع الطرق أغنامه فقال له القوم ماذا فعلت أنت ؟ قال: أشبعتهم شتما .
بقينا نشتم واليهود يأخذون الأرض، من المستفيد ؟الشتائم لا تؤدي إلى إنجاز ولا لتغيير واقع ولا لردع عدو إطلاقا، وبالتالي يجب دائما أن نهاجم الموقف الفلسفي، الفكرة، أو نؤيدها ولا نقترب من صاحب الموقف بالهجوم، وخاصة بالهجوم الشخصي لأنه كله كلام فاضي.
لنستطيع أن نحافظ على قدرتنا على المناورة في الكر والفر وفي الاتفاق والخلاف دون أن نحدث ارتباكا لكوادرنا، لعناصرنا، ولجماهيرنا وخاصة في هذا المجال بالذات جماهيرنا الفلسطينية والعربية وليس فقط الفلسطينية.

السلام والموقف
عيب عقليا أن يكون هناك تشويه عقلي لكلمة سلام أو كلمة حرب أو كلمة مفاوضات لان هذه الكلمات لا ترفض ولا يوافق عليها لأنها كلمات مجردة ويجب أن تربطها. المفاوضات مع من ؟ وفي أي وقت ؟ أنا أقول: أني ارفض المفاوضات الآن، يجوز اقبلها بعد شهرين أو سنتين أو بعد عشرة سنوات أو أوافق عليها الآن، ويمكن أن ارفضها غدا لأسباب محددة، لكن لا ارفض المفاوضات بالمطلق، لا يجوز أن ارفض السلام بالمطلق، هذا السلام ارفضه لأنه ليس سلام والسلام الذي أوافق عليه هو السلام 4،3،2،1 بمعنى إنني يجب أن يكون في كلامي وفي تعبيري باستمرار مفهوم ايجابي.
وهذا يجرنا إلى فرعية أخرى وهي انه لا يجوز أن اجعل من أفكار العدو موضعا للنقاش. الأفكار التي يجب أن تكون للنقاش هي أفكارنا نحن، يأتي اليهود بـ القرار242 هو مشروع للسلام لا يجوز أن أكرس وقتي للقول أن 242 ليس مشروعا للسلام، أنا لا يهمني ماذا يقول العدو، أنا نقيض العدو، وأنا مع السلام القائم على العدل، أنا ضد السلام بالمفهوم الإسرائيلي الأمريكي لأني لا اعتبره سلام، لأنه لا علاقة له بالعدل وأي سلام غير مقترن بالعدل لا يسمى سلاما، أنا عندما أناقش بالمفاهيم الإسرائيلية أو الأمريكية وارفضها حتى لو نجحت أكون قد نجحت في إقناع الناس أنها خاطئة، ولكي اقنع احد بما هو الصحيح: أنا أقول أني أريد السلام القائم على العدل، ومفهوم السلام القائم على العدل هو كذا.
أنا لست ضد التفاوض ولكن التفاوض يتطلب كذا وكذا، أضع مفهومي الذي أناقش بناء عليه ولكن لا يجوز أن أظل أنا في خانة الرفض السلبي وخصمي في خانة الموقف الايجابي ولو انه العدواني. أفكاري هي التي يجب أن تكون في موضع النقاش وليست أفكار الخصم، وإذا أخذنا شيء يجب أن نأخذه دائما بالكامل حتى لا نضع أنفسنا في سجن، مثلا إسرائيل وأمريكا قالوا أن 242القرار هو الحل السلمي إحنا رفضنا 242 لأنه يتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين… رفضنا نسبيا ذلك، وأصبحنا نقول أننا فقط ضد 242، ولان الإسرائيليين صاروا يقولون عنه سلمي إذا نحن ضد السلام، لا يجوز أن أكون ضد الحل السلمي، لكن أحدد الذي أريده بالحل السلمي ولو انه لن يتحقق ولو أني احكي بالسلام وأنا أعد للحرب كما يفعل خصمنا طوال عمره يحكي بالسلام وطول عمره يمارس الحرب، والعرب طول عمرهم يحكون بالحرب وطول عمرهم يمارسون الاستسلام، يا ريت سلام.
أما أنا لا يجوز لكي أوعي الجماهير بالحقيقة، لا يجوز أن اقطع الجملة الأخيرة من القرار 242، لأنه عندما يأتي ظرف يضيف ل 242 الجمل التي تجعل منه نصوصا قابلة أن نتعامل معها، اصطدم بالإعلام الذي آمن به شعبي وجماهيري وأصبح 242 نقطة وبالتالي أصبح الاقتراب منه جريمة، بينما نحن قلنا 242 مرفوض لأنه يتعامل مع قضيتنا كقضية لاجئين، إذا أضفنا إليه ما يتعامل مع قضيتنا كقضية وطنية نعيد النظر، يجوز أن نرفضه أو نوافق عليه، أما لا يوجد شيء بالسياسة بالمطلق كذلك لا يوجد شيء بالسياسة سيكون أو لا يكون.

قواعد العمل السياسي
أنا كثير ما يواجهني أسئلة من الشباب انه إذا أمريكا عملت كذا وكذا ما هو موقفنا ؟ هذا السؤال خاطىء. أولا: لأنه يجعلني أعطي جواب غيبي. ثانيا: أنا أريد أن أرى الموقف الأمريكي على حقيقته، لأنه كل موقف فيه جواب بالتفاصيل أحيانا، أو العطف بتغيير القرار كما حدث في مجلس الأمن، قرار 242 كلمة عملت مشكلة.
في تفسير القرار أنا دائما يجب أن اتبع سياسة الاحتمالات، وان نعد لكل احتمال، وان أرجح في هذه المرحلة احتمالا على آخر مثلا: أنا عندي المؤتمر الدولي احتمال ولكنه احتمال غير قابل لان يتحقق في سنة87و1988، لكن كل هذا الكلام احتمال، لأنه قد يطرأ ظرف يجعل مما كان غير ممكن الأمس ممكنا اليوم لكن هذا هو الاحتمال، فانا أشتغل على أساس انه يوجد مؤتمر وأشتغل على أساس لا يوجد مؤتمر، عندي احتمال أن المؤتمر سيأتي بوقت بعيد، إذن الأولوية الآن مرحلة اللامؤتمر فأشتغل على أساس مرحلة اللامؤتمر دون أن أنسى مرحلة المؤتمر، لا يوجد مطلق وحسم، بالسياسة والنضال يوجد نظرية الاحتمالات، والذي يضع نفسه بالمطلق الذي يقول لك لا فائدة (أمريكا أعداءنا) إذن لا فائدة من العمل مع الأعداء، وهؤلاء هم أعداء كيف ممكن أن يكونوا معنا ؟ إذا ممنوع العمل في ساحة الخصم، هذا مثل من يحكي مع نفسه. المفروض أن أناضل أنا في معسكر الخصم، لماذا يقولون هذا الكلام ؟ لأنه لا يوجد لديهم نظرية الاحتمالات، عندهم نظرية الحسم، أن أمريكا عدوتنا يلعن أبوها والاتحاد السوفياتي صديقنا.
نظرية الاحتمالات شيء أساسي، الابتعاد عن المطلقية شيء أساسي، عدم شتم الأشخاص شيء أساسي، التعاون مع المواقف رفضا أو موافقة، تعاونا أو لا تعاون شيء أساسي، أن نغير عندما تتغير المواقف لمصلحتنا شيء أساسي، أن لا نتبع المنهج التاريخي أو القضائي أو الفلسفي شيء أساسي إذا أردنا أن نكون سياسيين مناضلين، أن ندرك بان المناضل هو الذي يلعب على ارض الواقع ليس الذي يتفرج، من يتفرج لا يحرز هدف،أن نفهم تاريخنا، أن نفهم تاريخ شعبنا، أن نفهم نفسية شعبنا، أن نفهم خصمنا، أن نفهم طبيعة فكر خصمنا، أن نفهم طبيعة التحالفات القائمة.

وعندما نريد أن نعطي قليل من التفاصيل عن هذا الفهم، وعندما أريد أن افهم طبيعة التحالف القائم بين أمريكا وبين إسرائيل لابد لي أن افهم ما هي أهداف أمريكا في المنطقة: وهي أهداف تقوم على المصالح المادية، ومن قاعدة احتكار منطقة الشرق الأوسط، لأفهم طبيعة العلاقة، لأفهم طبيعة الخدمة التي تقدمها إسرائيل لأمريكا، لأفهم متطلبات الضغط اللازمة على أمريكا للتراجع تكتيكيا أو للتراجع استراتيجيا، وما هو الممكن، وما هو اللاممكن في الربط المستمر، والارتباط المستمر بالواقع من حيث الفهم والمعلومات، وهذا هو الذي يؤدي بالنهاية إلى نمو العقلية السياسية لقيام الفعل السياسي، بما يتعامل مع صنع الأحداث التي تؤدي إلى انتصارنا على العدو ولو بأشياء صغيرة، والتعامل مع الحدث الذي يصنعه العدو، ولمنع انتصارات العدو في إطار التعاون والتكامل الجماهيري- القيادي.

* محاضرة للأخ خالد الحسن ألقاها في تونس في دورة لمكتب التعبئة والتنظيم عام 1987 ، تم إعادة طباعتها وتدقيقها وتنسيقها من قبل مدرسة الشهيد ماجد أبوشرار لإعداد الكوادر في فلسطين .
* ولد المفكرالكبير خالد الحسن ( أبوالسعيد) في مدينة حيفا الفلسطينية بتاريخ (13/2/1928) لأبوين متدينين، وبيت احتضن اجتماعات الشيخ عز الدين القسام ، تشرد مع عائلته إلى لبنان فسوريا ودول العالم.أحد مؤسسي حركة( فتح ) وقادتها الكبار منذ الستينيات، اشتهر كخطابي بارع وكمفكر سياسي ومنظر عروبي إسلامي، كان مفوض التعبئة والتنظيم في الحركة، ثم تسلم مسؤولية الإعلام في حركة ( فتح )، رئس الدائرة السياسية في (م.ت.ف) لفترة معينة، تسلم رئاسة اللجنة السياسية بالمجلس الوطني الفلسطيني حيث فتح آفاق العمل الخارجي للمنظمة وخاصة في أوربا الغربية.
وله العديد من المؤلفات. استشهد في المغرب 1994.

روابط اعلانية :
اذا أعجبك هذا الموضوع اضغط على الزر +1 لتساعدك اصدقائك في الوصول هنا : *ملاحظة: جميع الأسماء والعلامات المذكورة في الموقع هي علامات تجارية مسجلة لأصحابها ، واغلب الروابط الموجودة في الموقع هي روابط مباشرة من مواقع الشركة الناشرة

مواضيع مشابهة


.
.
.
.free-call
.